أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

46

نثر الدر في المحاضرات

والمضروب والمقام عليه وفيه وفي حميمه الحدود ، والداخل عليه بعز الملك الذلّ في نفسه وخاصته ، فكل هؤلاء يجري إلى متابعة أعداء الملك ، ثم يتولد من كثرتهم أن يجبن الملك على الإقدام عليهم ؛ فإن إقدام الملك على جميع الرعية تغرير بملكه ونفسه ، ويتولّد من جبن الولاة عن تأديب العامّة تضييع الثّغور التي فيها الأهمّ من ذوي الدّين وذوي البأس ؛ لأن الملك إذا سدّ الثغور بخاصّة المناصحين له وخلت به العامة الحاسدة والمعادية ، لم يعد بذلك تدريبهم في الحرب وتقويتهم في السلاح ، وتعليمهم المكيدة مع البغضة ، فهم عند ذلك أقوى عدوّ وأخفره وأخلفه للظفر ، ولا بد من استطراد هذا كله إذا ضيّع أوّله . فمن ألقى منكم الرعية بعدي وهي على حال أقسامها الأربعة - التي هي : أصحاب الدّين والحرب والتدبير والخدمة . من ذلك : الأساورة صنف ، والعبّاد والنّساك وسدنة النيران صنف ، والكتّاب والمنجمون والأطباء صنف ، والزّرّاع والمهّان والتّجار صنف . فلا يكوننّ بإصلاح جسده أشدّ اهتماما منه بإحياء تلك الحال ، وتفتيش ما يحدث فيها من الدّخلات ؛ فلا يكوننّ لانتقاله عن الملك بأجزع منه لانتقال صنف من هذه الأصناف إلى غير مرتبته ؛ لأن تنقّل الناس عن مراتبهم سريع في نقل الملك عن ملكه ، إما إلى خلع وإما إلى قتل ؛ فلا يكونن من شيء من هذه الأشياء بأوحش منه من رأس صار ذنبا ، وذنب صار رأسا ، أو يد مشغولة أحدثت فراغا ، أو كهيم صار ضريرا ، أو لئيم مرج . فإنه يتولد من تنقّل الناس عن حالاتهم أن يلتمس كل امرئ منهم فوق مرتبته ، فإذا انتقل عنها أوشك أن يرى أشياء أرفع مما انتقل إليه فيغبط أو ينافس فيه . وقد علمتم أن من الرعية أقواما هم أقرب الناس إلى الملوك حالا ، وفي تنقّل الناس عن حالاتهم مطمعة للذين يلون الملوك في الملك ، ومطمعة للذين دون الذين يلون الملوك في تلك الحال ، وهذا لقاح بوار الملك .